الشيخ الأميني
88
الغدير
وقد خرج من منزله يريد الصلاة وهو يتوكأ على عبدين له - وكان قد كف بصره - فقال له : يا عرابة ؟ فقال : قال . فقال : ابن سبيل ومنقطع به . قال : فخلى عن العبدين ثم صفق بيديه باليمنى على اليسرى ثم قال : أوه أوه والله ما أصبحت ولا أمسيت وقد تركت الحقوق من مال عرابة شيئا ولكن خذ هذين العبدين . قال : ما كنت لأفعل . فقال : إن لم تأخذهما فهما حران ، فإن شئت فأعتق ، وإن شئت فخذ . وأقبل يلتمس الحائط بيده ، قال : فأخذهما وجاء بهما إلى صاحبيه . قال فحكم الناس على أن ابن جعفر قد جاد بمال عظيم وأن ذلك ليس بمستنكر له ، إلا أن السيف أجله . وإن قيسا أحد الأجواد حكمت مملوكته في ماله بغير علمه واستحسن فعلها وعتقها شكرا لها على ما فعلت . وأجمعوا على أن أسخى الثلاثة عرابة الأوسي ، لأنه جاد بجميع ما يملكه ، وذلك جهد من مقل . " البداية والنهاية 8 ص 100 " * ( حديث خطابته ) * إن تقدم سيد الأنصار في المعالم الدينية ، وتضلعه في علمي الكتاب والسنة ، وعرفانه بمعاريض القول ، ومخاريق القيل ، وسقطات الرأي ، وتحليه بما يحتاج إليه مداره الكلام ومشيخة الخطابة من العلم الكثار ، والأدب الجم ، وربط الجاش ، وقوة العارضة ، وحسن التقرير ، وجودة السرد ، وبلاغة المنطق ، وطلاقة اللسان ، ومعرفة مناهج الحجاج والمناظرة ، وأساليب إلقاء المحاضرة ، كلها براهين واضحة على حظه الوافر وقسطه البالغ من هذه الخلة ، وإنه أعلى الناس ذافوق ( 1 ) على أن فيما مر وما يأتي من كلمه وخطبه خبرا يصدق الخبر ، وشاهد صدق على أنه أحد أمراء الكلام كما كان في مقدم أمراء السيف . فهو خطيب الأنصار المفوه ، واللسن الفذ من الخزرج ، ومتكلم الشيعة الأكبر ، ولسان العترة الطاهرة الناطق ، والمجاهد الوحيد دون مبدءه المقدس بالسيف واللسان ، أخطب من سحبان وائل ، وأنطق من قس الأيادي ، وأصدق في مقاله من قطاة . ( 2 )
--> ( 1 ) مثل يضرب : أي أعلى الناس سهما . ( 2 ) أصدق من قطاة . مثل مشهور .